اسماعيل بن محمد القونوي

23

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

هذا علم أن ليس المراد فتح الأبواب كما جنح إليه الإمام لأنه حينئذ يكون المعنى فكانت أبوابا مفتوحة حينئذ وأما قبله فكانت أبوابا مغلقة فكأنها معدومة ثم وجدت حين النفخ وضعفه ظاهر لأن كونها مغلقة غير مسلم إذ كل يوم يعرج الملائكة ويفتح الأبواب لهم وأيضا تنزيل وجوده منزلة العدم بعيد جدا . قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 20 ] وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ( 20 ) قوله : ( أي في الهواء كالهباء ) أي رفعت من أماكنها وذلك إنما يكون بعد تفتتها وجعلها أجزاء متصاعدة كالهباء وأزيلت عن وجه الأرض بحيث يرى الأرض تحتها بارزة بأن يرسل الرياح فتطيرها في الهواء كأنها غبار قوله في الهواء إشارة إلى ما ذكرناه . قوله : ( مثل سراب إذ ترى على صورة الجبال ولم تبق على حقيقتها لتفتت أجزائها وانبثاثها ) مثل سراب أي الكلام تشبيه بليغ فإن الجبال في هذه الحالة أمر موجود والمعدوم هيئتها والأجزاء باقية وإليه أشار بقوله ولم تبق على حقيقتها لزوال صورتها بسبب تفرق أجزائها الخ والسراب معدوم إذ هو عبارة عما يرى من بعيد ماء وليس الماء موجودا فهي كالسراب في أن ترى جبالا وليست بجبال حقيقة لا نفس السراب فإطلاق الجبال عليها مجاز باعتبار ما كان والفاء في فَكانَتْ سَراباً [ النبأ : 20 ] للترتيب في نفس الأمر إن قيل إن صيرورتها سرابا بعد تسييرها أو الترتيب الذكري إن قيل بالعكس قيل إن أحوال الجبال أولها الاندكاك والانسكار لقوله تعالى : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً [ الحاقة : 14 ] وثانيها أن تصير كالعهن المنفوش وثالثها أن تصير كالهباء ورابعها أن تنسف وتقلع من أصولها وخامسها رفع الرياح عن وجه الأرض فتطيرها في الهواء كأنها غبار وسادسها أن تصير مثل سراب وهذه الأحوال تداخل بعضها في بعض فالتغاير اعتباري قال المص في قوله تعالى : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [ القارعة : 5 ] كالصوف ذي الألوان المنفوش المندوف لتفرق أجزائها وتطيرها في الجو ومن جملة أحوالها كونها كثيبا مهيلا ولم يذكره القائل المذكور وأيضا بعض الأحوال المذكورة عند النفخة الأولى كاندكاكها وانصداعها وبعضها بعد النفخة الثانية مثل تسيير ما في الهواء ولذا ذكر هنا وعطف على قوله : فَتَأْتُونَ أَفْواجاً [ النبأ : 18 ] وكذا الكلام في أحوال السماء كما ذكرت في مواضع عديدة وكذا الأرض ولم يلتفت إلى كون المراد أنها تجري جريان الماء فيزيد عطش الكفرة إذا رأوها وظنوها ماء لأنه بعيد جدا . قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 21 ] إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ( 21 ) قوله : ( موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار ) نبه به على أن مفعالا قد يجيء قوله : موضع رصد الرصد جمع راصد وهم الحراس قال الجوهري القوم يرصدون كالحرس يستوي فيه الواحد والجمع وقال الراصد للشيء الراقب له والمرصد موضع الرصد قال الأصمعي رصدته أرصده ترقبته وترصدت له أعددت له والمرصاد الطريق .